“أزمة المنهجية في التكوين التدريبي: رؤية نقدية في فوضى “سوق التحكيم

في ظل التحول الاستراتيجي الذي تشهده المنظومات القانونية نحو الوسائل البديلة لفض النزاعات، برز التحكيم كأداة قانونية واقتصادية سيادية لا غنى عنها لحماية الاستثمارات وضمان استقرار المعاملات التجارية. ومع ذلك، تشهد الساحة القانونية اليوم ظاهرة تستوجب المراجعة؛ وهي تمدد الدورات التدريبية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق الإجرائي والتحديد المنهجي.
​في هذا التحليل، نضع بين يدي الزملاء والممارسين قراءة نقدية لمكامن الخلل في عروض التكوين الحالية، وكيفية صون جودة الملكة القانونية للمحكم والمحامي.
​أولاً: إشكالية “المرجعية القانونية” وفخ الخلط المفاهيمي
​لا يمكن ممارسة التحكيم في “فراغ قانوني”؛ فالتحكيم إما أن يكون داخلياً يخضع لرقابة القضاء الوطني وتطبق عليه أحكام مجلة التحكيم التونسية بخصوصيتها الإجرائية، وإما أن يكون دولياً يستند إلى قواعد مؤسسات عريقة (مثل ICC أو LCIA).
​الخلط البنيوي: من الأخطاء الجسيمة التي نلاحظها في بعض البرامج التكوينية، الخلط بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية. فإدراج مبادئ UNIDROIT (التي تتعلق بجوهر العقود الدولية) ضمن إطار إجرائي للتحكيم يعكس ضبابية في التصور المنهجي. التحكيم الفعال يتطلب الفصل القاطع بين قانون العقد (Lex Contractus) وبين قانون التحكيم (Lex Arbitri) المنظم للإجراءات والخصومة.
​ثانياً: من “الإعلام القانوني” إلى “التكوين التطبيقي”
​في عصر التدفق المعرفي الرقمي، لم يعد “نقل النصوص القانونية” هو الدور المنوط بالمراكز التدريبية الاحترافية؛ فالمعلومات النظرية متوفرة بيسر على الشبكة العنكبوتية. إن القيمة المضافة الحقيقية تكمن في الانتقال من المحاضرة السردية إلى الورشة التطبيقية الحصرية (Clinical Legal Education).
​الفجوة المهارية: إن المحترف القانوني لا يبحث عن تعريفات أكاديمية، بل يبحث عن “أدوات الاشتباك الإجرائي”. التكوين الرصين هو الذي يضع المتدرب في مواجهة سيناريوهات واقعية: بدءاً من صياغة اتفاق التحكيم لضمان عدم بطلانه، وصولاً إلى تقنيات إدارة الجلسات، استجواب الشهود، وحسن تحرير الأحكام لضمان نفاذها وعدم تعارضها مع النظام العام.
​ثالثاً: نقد “التسطيح المعرفي” تحت وطأة الاستعجال
​إن طرح تخصصات دقيقة وشديدة التعقيد، مثل التحكيم في منازعات الاستثمار أو عقود الهندسة الدولية (FIDIC)، ليتم استعراضها في غضون أيام معدودة، يمثل نوعاً من التسطيح المعرفي الذي يضر بصناعة التحكيم ومصالح المتقاضين.
​العمق الزمني كشرط للجودة: التخصص القانوني هو تراكم معرفي ومنهجي. الوعود بالاحتراف في مدد زمنية قصيرة تفرغ العملية التكوينية من محتواها، وتحولها إلى مجرد “لقاء تعارفي” ينتهي بشهادة ورقية لا تسمن ولا تغني من جوع أمام هيئات التحكيم الدولية التي تتطلب دقة متناهية وإلماماً عميقاً بالتفاصيل القانونية والتقنية.
​خاتمة: المسؤولية المهنية وتجويد الممارسة
​إن الارتقاء بمنظومة التحكيم في تونس والمنطقة العربية يبدأ من “فلترة” المسارات التكوينية. نحن في مكتب العريبي للمحاماة نؤمن بأن المحامي والمحكم هما حماة لمصالح الموكلين، وهذه الحماية لا تتحقق إلا بتكوين يستند إلى ثلاثة ركائز:
​التحديد الدقيق للإطار القانوني (الوطني أو الدولي).
​تبني منهجية الورشات الحية والحالات العملية حصراً.
​احترام التدرج العلمي والزمني لبناء التخصص.
​التحكيم قضاء وقار ومسؤولية؛ فلنحافظ على رصانته.
​بقلم: الأستاذ العريبي
محامٍ لدى التعقيب ومستشار قانوني
موقع المكتب